حسن الملاك المقعد “طفولة محطمة”

 بقلم كاجيا عثمان

تمضي بها الحياة باتجاه ربوع الآلام دوما، دونما إدراك منها أنها رغم قوتها قد هلك العظم من الألم واعتصر الفؤاد. فقد نُخر العظم ألماً ووهماً بالسعادة كما ينخر الطائر الخشب ليصنع لنفسه عشاً دائماً، علّه يصبح مأوى له في زمن الشدة أو حتى عشاً لتكاثره.

في يوم مولده كان كالشمس تطلع بخجل على سهول ينابيع رقراقة ، أضاء بعينيه الصغيرتين الجميلتين أيام عمرها وأعلن منذ مولده مولد الأفراح في لحظاتها، كأيّ أمٍّ تناست كل آلام الحمل والمخاض بعد ملامسة وجه طفلها، ورؤيته أمام عينيها بعد عهد من الانتظار، جاء كالكوكب الدري، بشرته الناعمة الناصعة البياض أضاءت أيام عمرها الباقية.ولحسنه وجماله الخاطف للأنظار قررت أن تسمّيه “حسن” نعم فهو الاسم الأنسب لجنون الجمال في وجنتيه. صرخات بكائه الأولى لا تُنسى فقد كانت كنغمات متطايرة من سيمفونيات عشاق الموسيقا، أمّا عينيه فحكاية أخرى، لونهما البني النابع من أرض البلاد الندية و الرموش الطويلة وكأنّها تنمو من ينابيع تلك الارض النابعة من لون عينيه.

أصبح الأهل والأصدقاء يتوافدون للتمتع بالنظر لذلك الوجه الحسن و كذلك النسوة واحدة تلو الأخرى وكلمات الدعاء له بالحماية من كل عين لا تنفك تفارق شفاههن.

ولكن في يومه الخامس والأربعين من هذه الحياة كانت الطامة، يوم دنو تلك المرأة منه واستغرابها من جماله الذي فاق الأوصاف ،دونما ذكر لاسم الخالق وشكره على حسن خلقه، شيء ما في قلب والدته نطق: يا إلهي احمِ حسني منها.

ومن يومها تبدلت تلك السحب البيضاء في سمائها إلى ضجيج أسود لا متناهي. وأصبحت تنتقل من طبيب لآخر ،ساعية بين عيادة وأخرى كسعي هاجر بين الصفا والمروة لإنقاذ إسماعيل عليه السلام، فقلب الأم لا يمكن لج خوفه على من خلق من احشاءها واستمد روحه من روحها، كحمم بركانيه كان قلبها يضخ الدم في أنحاء جسدها، وهي تراقب أفواه الأطباء الناطقة بأبجديات صُمَّت أُذنيها عن سماعها، كل ثانية تمر وحسن يذبل كوردة قُطعت عنها الماء لتعيش الحرمان في ربوع خضراء، كل ثانية تمر و الفرح يغادر زوايا منزلها الصغير، كل ثانية تمر و أيامها تتجرع العلقم بين يدي طب وقف صامتا أمام عيني حسن، إلى أن أعلن الأطباء أن الوقت قد مضى بعيداً دون القيام بما يجب فقد تأخروا وما عادت هذه العلاجات تفي بالفرح، وما عادت قادرة على إزالة الشجن الذي ختم على أيام قلبها وقلبه. صدمة الخبر الذي تسلل إلى مسامعها أفقدَها كل الأمل وأجهضته في ربيع عمرها الذي كان يتمنى النمو علّه يلقى الحياة. ضمورٌ في الدماغ وشللٌ رباعي غزا جسده الهزيل الصغير دون أي عبور للرحمة من بين زوايا أيامه البريئة.

New,souad
اللوحة للفنانة سعاد كوكش

مرضٌ ألقى بشباكه المتينة على أنفاس طفل لا يفتأ من الألم شيئا، أصبحت الأيام متشابهة، فهي تمرّ كمر سحاب على عجل، أما حسن ذلك الطفل المقعد أصبح لا ينمو كل سنة إلا بالقدر الصغير الغير ملاحظ ،والفقر أرخى ستائره على ذلك المنزل الصغير ليحرم الطفل حتى من اهتمام طبيب مختص.

 مرّت خمسة عشر سنة و هو لايزال مقعدا عاجراً من دون حِراك أو حتى نُطق كلمات صغيرة ، والداه تجرعا كل أنواع الحاجة والحرمان و رغم ذلك حاولا إبدال تلك الأيام السوداء إلى فسحة للأمل في عيني ذلك الصغير المرمي في مستنقع الفقر الذي زاد من حدة مصيبته.

في عامه الخامسة عشر واليوم الثالث من شهر كانون الأول، آلت روحه لمغادرة هذه الحياة، والابتعاد عن ذلك الشقاء المحكوم عليه منذ بدء ولادته، أراد الابتعاد والخلود في جنبات جِنان دون حساب، فقلبه الصغير  كان يتقطع ألما على والديه، وهو يرقبهم بعينيه الصغيرتين كيف أصبحا، فناجى إلهاً لا يغفل عن عباده، لترحل روحه بسلام في منتصف ليل أسدل الحزن على قلبي والديه بمغادرة روح صغيرهما بخجل من بينهم كسواد تلك الليلة الخالية من النجوم بعد اختباء القمر عن العيون

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s