بيت جدي

بقلم بشرى حامد

Bushra3
لم يكن منزلُ جدي سوى بيت ريفي طيني مؤلفاً من عدّة غرفٍ صغيرة، تتداخلُ فيما بينها كأنّها أصابعُ اليدِ المتشابكة. أما سقفُه، فمزركشٌ باللبان والقشِ كعادة معظم البيوت الريفية المُشيّدة وفق طرقٍ هندسية بسيطة وعفوية.
تقبعُ في فناءِ البيتِ شجرةُ توتٍ كبيرة مُثبّتة عليها أرجوحةٌ خشبية بحبالٍ من الأعلى، في مشهد يشي بدنو أحلامنا صوبَ الهاويةِ دون أن ندري، وعلى الجانب الآخر ثمة بئرُ ماء، ماؤها لم يكن عذباً لكنّه كان أكثرَ عذوبة من أيامنا هذه.
ففي كلّ زاويةٍ من زوايا البيت خارجاً ثمة أعشاش مُعلّقة للحمام الذي أبى أن يتخلى عن مسكنه بسهولة، فهو أكثر وفاءً من أشباه البشر الذين تخلوا عن بيوتهم، ذكرياتِهم، ألعاب طفولتهم، وفي مرّات كثيرة عن إنسانيتهم قبل كلّ شيء.
الحياةُ أقلّ ما يمكن القول عنها: إنّها كانت بسيطة، غير مُصطنعة، ولم نكن نعلمُ شيئاً عن مغرياتها، فلسانُ حالنا آنذاك أن نملكَ تلفازاً قديماً عديمَ الألوان، مع ترك العنان لأدمغتنا في مهمة أشبه بالمستحيل بغية تمييز ألوان الأشياء رغم معرفتنا بمسمياتها.. يا لها من مهمة شاقة أن تُميّز ألوان وردة، أيّها أحمر وأيّها أصفر و.. إنّها الحياة على عادة التلفاز الذي دأبَ الاستئذان منا لدى بدء البث، إذ يأتي في أوقات محددة ويرحل كذلك.
لطالما اجتمعنا في ذاك البيت الطيني،بيت جدي حيث الدفء والحنان، كباراً وصغاراً نتسامرُ في قمرةِ الليالي فوق ذاك “العرزال” الذي كانت جدتي تتقنُ ترتيبه.. كعادتنا نعدّ النجوم ونتفننُ في وصف أشكالها..كلُ منا لديه نجمته الخاصة به يحلمُ بها كلّ ليلةٍ.. كنّا نخاطبُ القمرَ بجنون- الضيف المرحب به ليلاً- وصدى أحاديثنا وضحكاتنا تعمّ أرجاءَ القريةِ .. كنّا نلتمُ حول جدتي كعقدٍ مُحبك من الخرزات.. تحكي لنا حكايا وقصصٍ عن الفتاةِ صاحبة الجدائل الذهبية الطويلة، التي كانت تبحث عن حبيبها الضائع في أرجاء المعمورة لكن دون جدوى.

اللافت أكثر نكات جدي وأغانيه عن أزمنة غابرة وأحداث وأبطال لا نعلم عنهم شيئاً سوى أنهم أبطالُ قصصٍ، ومع ذلك أحببنا خصالهم وشجاعتهم وتخيّلنا معها مُحياهم بتفاصيلها، وتفاعلنا معهم ومغامراتهم، إلى درجة كنّا ننام وما نزال تحت تأثير أفعالهم. لطالما استمعنا إلى صراخ الرُضع وبكائهم الممزوج بثغاء الخرافِ التي غالباً ما كانت على مقربة من أسرّتنا.. مشهدٌ لطالما أوحى بالأمان عكس ما نشهد حالياً، فالترتيب بات روتيناً يقتلنا ويجردنا من بساطتنا.
إذ تأتي أمُ الرضيعِ وتجلسُ على مقربةِ “الدركوش” الذي هو خيرُ مكان ينامُ فيه، مربوطاً بحبلٍ تشدّه وترخيه مرّات ومرّات، دون كلل أو ملل .. ولأسباب عديدة كانت الأم تجهل سبب بكاء رضيعها، وهو نائٌم، لكنّها صاحبة الخبرة في إعادة النوم إليه بترنيماتها “هايييي هايييي هاااا هاااا نا نا “، لغةعصية على الفهم، فما من أحد يفهمها سواهما، ليستكين الرضيع على وقعها ويستسلم برفقة أمه لهدأة الليل.

Bushra2تلك الحياة عشناها بتفاصيلها الدقيقة والخالية من التعقيد والتكلّف، فنحنُ لم نضع حياتنا تحت عدسة المجهر لنحلل جزئياتها، فجلُّ ما رغبناه الحصول على فطور ريفي،والركض خلف التلال والاستمتاع برؤية قطيع الخراف، وهو يتراءى من أعالي التلال في مشهد يقلُ نظيره لنعودَ في المساء مرهقين من شدة التعبِ، وتعود معنا حلقة الحياة لتلفَ بنا من جديد، عبثاً نحاول التغلب على روتين تعودنا عليه.

فما بين الماضي والذكريات إلا تشابه وكأنهما صندوق قديم ما أن يتأكد المرءُ، أنه أحكمَ إغلاقه حتى تأتي نسمة هواء، وبأقل جهد تداعب ما بداخله من أشياء، فتتبعثر وعبثاً أن تستطيع إعادة ترتيبها ووضعها في الصندوق مجدداً.

صور: بشرى حامد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s