صديقنا النوري

بقلم أمجد الأسود
بشعره الطويل السابل وإن كان متسخا ومشيته وإن كان عاري القدمين كانت اشبه برقصات سامبا يؤديها في كرنفال أمام كل زفة عرس راجلة في حيينا بسهل حوران، في اواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي. كان صديقنا الطارئ المتصالح مع لقبه الجديد “النوري” قد أطلق العنان لطفولته يمارسها بكل تلك الحرية التي يحلم بها كثير من الاطفال. لا مدرسة, لا حمام ولا من يؤنبه إن إتسخ من اللعب. ولا من هنالك لإستيقاظه في الصباح ولا حتى لنومه موعد ولا وظيفة مدرسية أو تسميع للدروس في اليوم التالي أو علامة محرجة في المذاكرة يخشى أن يعلم بها أهله أو حتى تضربه عليها معلمة الصف.
Daraa1كان صديقنا النوري محسودا من أصدقائه الجدد، متظاهرين عليه بالشفقة لأن مجتمعهم يصنفه ضمن فئة النور. رغم كل تلك الحرية التي يتمتع بها إلا أننا نكابر انها لا تعني لنا شيئا. فهو يسكن في خيمة جرداء ليس لها جدران مثل بيوتنا الاسمنتية، وأبوابها وشبابيكها مشرعة بلا حديد أصم ولا قضبان، سوى ذاك الضوء الطليق نهارا وفانوس الغاز ليلا رغم أنه كان يبدو كافيا لتتوهج به خيمتهم. كما الصغار يقتربون من بعضهم أكثر و بسرعة بات الجميع في شوق لإكتشاف عالمه الآخر لكن سرعان ما خبت لديه تلك الرغبة في أن يعرف عنّا أكثر، فبتنا الطرف الوحيد الذي يطرح عليه الاسئلة والمنصت لرحلاته وتجواله. فمنها ما كان في جو بارد في استمرار حتى في الصيف وترى منه القرى و المدن تحتك فتلك مئذنة طويلة وذاك سطح ملئ بطيور الحمام وتلك الزوارق في البحيرة تصطدم ببعضها كما لو أن أحد يصطيف على قمة جبل وتارة ينتقل بنا إلى ذاك الماء العذب البارد في عز الحر، اذ ترى فيه الأسماك قبل أن تنزل إلى الماء و غزال يطارد من بعيد.
كلما عيرناه بتلك اللعبة الغريبة التي يربط بها علبة كولا فارغة ويركض بها ملتفتا خلفه، رد علينا بسخرية كيف لذلك الأحمق صاحب الكرة أن يشرك في لعبته كل هؤلاء بدلا من أن يلعب لوحده. وإن احتد هذا الجدل بينه وبيننا كان يلوذ بكلبه يكمل لعبته معه مبتعدين في سباق محموم كصديقين قديمين.
عالمه الليلي غامضا بعض الشئ، فقد كنا ننام قبله، ليس في خيمتهم ليلا سوى هذا الوهج وبعض خيالات على جدران الخيمة وضحكات هنا وهناك وبعض الأغاني المتقطعة وموسيقى رديئة وصوت نساء عال كان يقطعها خروجه وراء كلبه من حين لآخر ثم يعود غير مكترث لمن يرقبه من بعيد.
أما كيف كان يمضي الصباح فكما بدت لنا الخيمة ونحن ماضون الى المدرسة , هادئة ساكنة تنفث دخان مدفأتها فلا بد صديقنا مازال في فراشه الدافئ. لكن بئس تلك الحرية فهو في النهاية نوري.
وهكذا أخذت الأيام شكلها الروتيني المعتاد بالنسبة لنا بعد أن باتت كل تفاصيلها موضع شك وسؤال ومقارنة بما يقابلها لديه. وماذا لو أنه في مكاننا هل سيقبل به أم لا. وهكذا إلى أن قطع كل تلك المشاهد اليومية وأسدل الستار عليها مشهد فك أوتاد الخيمة وإنزال عامودها ولفها ثم حزمها وجمع كل أشيائها للرحيل . وبعد أن تأكدت أن والده قد ركب بجانب سائق الشاحنة استعدادا للإنطلاق وجدت نفسي أجلس بجانبه طالبا منه بإشارة صمت أن لايثير انتباه أحد لوجودي، علني أحظى برحلة معهم.

*أمجد الأسود خريج أدب الانكليزي في جامعة دمشق ومقيم في لندن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s