النجاة من الغرق

كتبت عطية خليل

قصتي تبدأ في بلدة تربسبي ( القحطانية )التي تقع في جهة الشمال الشرقي لمحافظة الحسكة. ولدت ونشأت فيها. البلدة مزيج من الكرد الذين يشكلون القسم الاكبر منها إضافة إلى العرب والمسيحيين واليزديين، ولكن هجرها اقسم كبير من ابنائها بسبب الحرب والتفجيرات المتتالية التي هزت المدينة . اتممت فيها دراستي بمراحلها الثلاث ودخلت معهد موسيقا بالحسكة سنة 1998 وبعد التخرج بسنتين عملت في السلك التدريسي بينما كنت ادرس الترجمة في التعليم المفتوح في جامعة دمشق وأثنائها اقترنت بزوجي الذي كانت احواله المادية ميسورة لنعيش سنوات من الطمانينة والهدوء وسط الاهل والاصدقاء واستمرت حتى منتصف 2012 حيث مرت سنة على الثورة السورية ومع اقتراب المعارك لمنطقتنا . اتذكر وقتها المعارك التي دارت في شرق مدينتي خلف الخط الدولي بين الوحدات الكردية وجبهة النصرة و نتيجة حالة الخوف والقلق على العائلة اضطررنا للهجرة خارج البلد رغم مرارة الفراق عن  الاهل والاصدقاء واخترنا اللجوء إلى السويد تحديدا لوجود اقارب زوجي هناك.  انطلقنا إلى تركيا التي تعد بوابة العبورالاساسية لنا كسوريين  عبر تل ابيض ( كري سبي ) ومنها الى تركيا حيث امضينا فيها شهور من الانتظار والملل والعذاب من التنقل في المسكن والوعود المتكررة من المهربين مع غلاء المعيشة .
اذكر مرة في الشهر التاسع من 2012 وعدنا المهرب بساعة الانطلاق عن طريق البحر في مدينة ازمير ولحسن الحظ عند وصولنا لم يكن هناك مكان لنا وسط السفينة ووعدنا المهرب بمرة قادمة لنسمع في اليوم التالي  بغرق السفينة وموت عدد كبير فيها لنغلق صفحة السفر عبر البحر والتي اخترناها لانخفاض  تكلفتها  مقارنة مع البر أو الجو . وبدأنا التفكير بالسفر عبرالطيران ولتبدأ معاناة اخرى بايجاد مهرب يمكن ان تثق به ومع الايام بدأت تراودنا فكرة الرجوع إلى سوريا عبر معبر قزلتبة إذ كانت الحكومة التركية تسمح للسوريين بالعودة عبرها حتى ممن لا يملكون الجوازات إلى الجانب السوري ومن ثم العودة الى مدينتي وممارسة التدريس مرة اخرى والخلاص من حالة العزلة التي انتابتنا في تركيا رغم التشابه الثقافي والعادات، ولم نكن نتعلم التركية  لقناعاتنا بان تركيا هي بلد المرور وليس الاستقرار إضافة للوعود المتكررة من المهربين واخيرا تم تحديد ساعة الانطلاق فقد تمكنت مع ابني وابنتي الصغيرين من الوصول الى السويد .
هناك استكشفت نمط حياة جديدة عما شاهدناه في سوريا بالاضافة إلى المناخ البارد والقاسي و ساعات من العمل والدراسة  الطويلة مقارنة بمجتمعاتنا واختلاف الثقافة والقيم والعادات  وصعوبة التواصل مع الاقارب والاصدقاء رغم وجود الكثير من العائلات التي انتقلت للسكن في هذا البلد  مؤخرا ، الحياة  لم تعد سهلة التي الفناها، لاعيش حالة اغتراب حقيقية وخاصة مع طفلين صغيرين بعيدا عن والدهم لمدة تزيد عن  اربعة اشهر لحين استكمال اوراق لم الشمل.

Atia 1
عطية في لقاء تلفزيوني سويدي

كل ذلك لم يجعلني استسلم وبدأت افكر كيف يمكن ان استفيد من الايجابيات العديدة التي تؤمنها دول اللجوء من فرص تعلم اللغة واكتساب المهارات و تعديل الشهادة الجامعية مع امكانية متابعة الدراسة. اتقنت اللغة السويدية خلال السنتين و كرمنا من قبل وزيرة الثقافة كمجموعة من الطلبة المتفوقين .كل ذلك لم يأت بالسهولة لأنه من الصعب رعاية الاولاد والقيام بواجبات المنزلية وان تكون طالبا بنفس الوقت  في ظل الفكير الدائم بالاهل ومتابعة الاخبار اليومية وحالات التشرد التي تشهدها البلاد مما جلعني اعيش عالمين مختلفين.
حاليا انا في المرحلة الاخيرة من دراسة اللغة السويدية، ساقوم بعدها بالدراسة في الجامعة وفق التخصص الذي اريد لأثبت مع غيري ممن تغربوا وتركوا بلدانهم بسبب الظروف بأننا لسنا عالة على بلدان اللجوء وانما نستفيد من شهاداتنا ونطورها بما يخدمنا ويخدم غيرنا.

atia 2
عطية مع وزيرة الثقافة السويدية

* عطية خليل خريجة معهد الموسيقا في الحسكة ومقيمة الان في السويد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s