أنا وفيروز في بصرى الشام

كتب أمجد الاسود

قصتي مع  قلعة بصرى بدأت، عندما  زرتها في طفولتي المبكرة، مع والدي، لحضور حفل غنائي  لفيروز في عام1985. فالبرغم من صغر سني، إلا أن هذا الحشد الكبير، أعطاني انطباع جيد حول فيروز.  وكما يقال لا يجتمع الناس إلا على حق. لكن لسوء الحظ، لم نتمكن من حضور حفلتها بعد كل هذه المسافة قطعناها في السيارة.  لم تغن فيروز مطولا، فغادرت المسرح،  معترضة على سوء معاملة عناصر الأمن وحفظ النظام الذي بدأ بإستعمال العصي والهراوات لتنظيم دخول جمهور الذي أتى من كل أنحاء سوريا. فرافق مغادرتها كثيرين.  شكل هذا الحادث، خيبة أمل لي في الإستماع لفيروز لاول مرة في حفل مباشر.  فما أن تدخل الأمن في مسرح أو حفلة إلا أفسدوها، فيروز غنت لاول في هذا الحفل ( يا راعي القصب ) وهو ما اعتبره جمهورهاو اهل حوران  هدية منها لهم .

id1EZIuLq1-g_AIXEeSSeZNGM3R2MtYJfo6CYWRQ6UY
قلعة بصرى بعد القصف 

تبعد بصرى 40 كم عن مركز مدينة درعا وحوالي 140 كم عن دمشق. وتعد معلما حضاريا وصرحا عمرانيا، فهي حاضرة في وجدان كل سوري، لذلك ليس حكرا على ابن منطقتها،  فأي مهتم بالعالم يمكن له أن يتجول فيها و يسير في أروقتها ويدقق في ملامحها لكثرة الدراسات والأبحاث التي  كتبت عنها. ولكن كأي سوري، لم تعد كلمات اليونسكو أو حتى الأمم المتحدة تعطي زخم وقوة. لأننا اختبرناها، ولاحقا عرفنا أنها مكاتب بيروقراطية لا حول لها و لاقوة،  فلم يجد مناجاتها لحماية ما اعتبرته ارثا حضاريا و بشريا.

ما زلت اتذكر أستاذ الرياضيات، عندما كنت في مرحلة  الدراسة  الثانوية  في عام 1998. فقد كان من المهتمين بتراث وتاريخ القلعة،و يشكو دوما من هذا التجاهل الذي تتعرض له قلعة بصرى الشام. ويستاءل كيف لبلد يحوي هكذا التحفة الحضارية، يهملها.  بينما يحظى ما هو اقل شأنا، بإنتباه كل العالم وتلتفت إليه الأنظار من كل حدب وصوب ليأتيه الزوار بالآلاف, وكيف لبلد في أمس الحاجة أن ينوع مصادر دخله، يترك كنزا ثمينا دون استثماره, فبحسب الإحصائيات ونتائج الدراسات التي قام بها أستاذنا، تعادل قلعة بصرى، آثار روما، كقيمة حضارية، عالمية، لذلك  كان بإمكانها أن تكون مصدر دخل قومي يعتد به و يدخل في ميزانية البلد بأرقام تضاهي حقول النفط .

في الاشهر الأولى من الثورة  في عام 2011،  قصف النظام سرير بنت الملك وهو أحد المعالم الأثرية الشهيرة في قلعة بصرى. إذ تقول الأسطورة أن ملكا أمر ببناء سرير مرتفع لإبنته ليحقق لها الخلود بإبعادها عن أسباب الموت، بيد أن عقربا كان في سلة فاكهته،ا فلما قدمت إليها السلة ومدت يدها لدغها ذلك العقرب وماتت. فماذا لو تحققت أمنية ذاك الملك لكنا نعينا ابنته التي عاشت آلاف السنين لتموت بقذائف الأسد, هو تماما كنعينّا لدمار ذلك المعلم. فلم يكن منّا من هو مطمئن لإرثنا بين يدي هذا النظام، فأذكر شائعة سرت وتحدث بها كثيرون “أن قلعة بصرى ترتكز بأكملها على حجر في أساس أحد جدرانها فما أن أزيل هذا الحجر حتى انهارت القلعة بأكملها ” فما كان ذلك إلا تعبيرا عن توجسنا من قادم الأيام. وها نحن نعيشه اليوم  مع حكومة تسير بنا إلى الهاوية، وإلا لماذا كل هذا الإهمال والتجاهل للقلعة.

قلعة بصرى مسرح متكامل بكل تفاصيله ورواقه،و يعطي لوحاته الفنية كل العوامل التي تجعله كتلة فنية متكاملة.  بالأمس القريب دمر النظام ساحة التغيير خلف المسرح.أتمنى أن لا تطالها يده أكثر. وأن تبقى سوريا متحفا في الهواء الطلق، شاهدا على حضارة السوريين وتاريخهم العريق بعيدا عن بربرية الأسد وطغمته.

أمجد الاسود خريج أدب الانكليزي في جامعة دمشق ومقيم في لندن.

اللوحة: عصام حمزة

http://www.esmahamzeh.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s