سبعة أيام في البحر (١)

كتب ميلاد زينة

في أوائل أكتوبر ٢٠١٢ غادرت سورية البلد الذي يصعب علي جداً وصف ما يعنيه لي ببضع كلمات، المكان الذي قضيت فيه طفولتي وسنوات شبابي.  كبرت هناك وتعلمت، تخرجت كطبيب أسنان، كل مدينة في هذا البلد، بل كل حارة تعني لي الكثير، لست من عشاق دمشق فقط، بل من عشاق سوريا بعربها وكوردها وأرمنها ومسلميها ومسيحييها وكل طوائفها وقومياتها .

 لن أنسى ذاك اليوم الذي كنت متجهاً فيه إلى بيروت وعيني تراقب دمشق بخوف شديد، خوف من المستقبل، من ألا أعود، وخوف على ذكرياتي كلها فيها.

بكيت كثيراً عندما غادرتها، كأي شاب كنت أحلم بأوروبا وأمريكا واستراليا، تلك البلاد التي نعتقد بأنها جنة ، كنت أود العيش في هذه البلدان لفترة، لأعود بعدها إلى سورية.

IMG_1967
المركب الذي جاء به ميلاد إلى إيطاليا

وصلت إلى بيروت، ولازالت روحي في الشام، بقيت هناك لمدة شهر، وجدت نفسي في سورية ثانية تدعى لبنان، لذلك، قررت السفر إلى مصر التي كان بإمكاني دخولها في ذاك الوقت من دون فيزا، كان الأمر جيداً في البداية وكنت أتدرب في الجامعة كطبيب أسنان، إلى أن حدث ما يسميه بعض المصريين ثورة ثانية، وتغيير النظام اذ تبدل معه كل شيء، حتى في معاملة السوريين، ولاحقا تم رفض منحهم فيزا لدخول إلى البلاد.
بعد أن أنهيت تدريبي هناك، وفي الوقت الذي كنت أنتظر فيه الرد على تقديمي لطلب الالتحاق بدبلوم الجراحة في إحدى الجامعات المصرية،  قمت بالتدريس في مدرسة سورية كانت افتتحت بالقرب من بيتي، كان هذا من أجمل الأشياء التي قمت بها في مصر، إذ كنت أعيش كل يوم مع السوريين، الأمر الذي كان يخفف عني شيئاً من ألم الغربة في بلد ليس بلدي، إلى أن حصلت على القبول في دبلوم الجراحة ،غير ان الوضع في مصر كان يسوء اكثر تجاه السوريين، من الإقامة إلى الحياة اليومية ، حتى غدا المسألة لم تعد تطاق، عندها قررت السفر لزيارة أهلي، وبعدها البحث عن مكان آخر في العالم التجأ إليه. بدأ مشوار العذاب والانتظار، فبعد شهر من تقديم طلب فيزا لكندا، وحصولي على قبول في إحدى الجامعات، تم رفض طلبي ، ومن ثم قدمت من جديد ودفعت كثيراً من المال،  لكنهم رفضونني ثانية، كدلك الامر مع أستراليا. فقدت الأمل، بعد ان هجروا اصدقائي إلى أوروبا، فقررت خوض تجربة  السفر عبر البحرمع بعض الشباب الذين أعرفهم في القاهرة، ممن يرغبون بالوصول الى أوروبا مثلي، سافرنا سوياً إلى الاسكندرية، وقابلنا بعض المهربين، عشرة أيام من العذاب والتشرد، وأخيراً، وصلنا إلى البحر، ومن دون أن يكشفنا خفر السواحل المصري الذي يمكن أن يزج بنا في السجن، ولن نستطيع الخروج بسهولة.

 من قارب صغير إلى قارب أكبر، فأكبر، كلهم من الخشب، رغم ان المهربين وعودنا بمركب حديد كبير. كنا ، ٤٠٠ شخص اغلبهم من  النساء والأطفال، بقينا ٧ أيام في البحر، نستهلك قليل من التمر والماء وبعض الخبز، لم يكن أكثرنا سوريين، منهم مصرويين والأفارقة، لم يكن بوسعي عمل أي شيء وأنا في عرض البحر، سوى الدعاء لله، لأنه وحده القادر على أن يبقيني حياً أو يغرقني فتنتهي حياتي، في اليوم السابع نفد كل مالدينا من الطعام والشراب، الطقس كان شديد الحرارة ، عندما بدأ الصغار والنساء بالبكاء، قام القبطان بإيقاف المركب، بحجة تعطيل المحرك ، فاتصلنا بالصليب الأحمر الإيطالي، وأعلمناهم بموقعنا، فأخبروننا بإننا بعيدين عن إيطاليا، وعلينا العودة إلى ليبيا، بعد محاولات عدة، وبعد اتصالنا بإحدى الناشطات التي تساعد أي سفينة في طريقها إلى إيطاليا، جاءنا مركب ألماني يبدو أنه كان قريباً منا، ولكنهم رفضوا مساعدتنا لوجود مصريين معنا. وبعد أكثر من ساعتين ومع استمرارنا
الاتصال بالصليب الأحمر الإيطالي، وبالناشطة نوال، جاء مركب ثانٍ، كان يبدو أنه قادم من كوريا، حاولوا أن يقتربوا منا، ونجحوا بعد محاولات عدة، تم إنقاذ النساء والأطفال، ومن ثم الشباب، بعد ساعة من تواجدنا على هذا المركب لاحظنا شخصين يسبحان بعيداً عن المركب، ويحاولان الاقتراب منا، اخبرنا الكابتن ، لإنقاذ الشخصين، كانا من غزة، وأعلمونا بأن المركب الذي كانوا فيه غرق وكان على متنه أكثر من ٥٠٠ شخص.

IMG_1971
ميلاد مع اصدقاء رحلته على متن السفينة

 بعد يومين على مجيء هذا المركب الكوري، جاء الصليب الأحمر الإيطالي، وأخذنا إلى أقرب جزيرة في إيطاليا، التي تدعى كتانيا، وصلناها بعد ٩ أيام قضيناها في البحر المتوسط، وهنا بدأت رحلة العذاب الثانية، وللحديث بقية..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s