طالعين مشوار وراجعين ( الحلقة الاولى- المهرب)

كتب سليمان حنيف DSC00664

هوووس يا جماعة، اسكتوا شوي –
يقولها المهرب وهو يمضي في الأمام، الظلام الحالك والغابة الكثيفة تكون مصدر للخوف، أكثر من ذلك العسكري التركي الواقف على الحدود، علي الذي يلي المهرب يحاول الإسراع ولكن المهرب يمسكه مردفا ” إذا بتعرف الطريق روح لحالك ليش اجيت معي ” عائلة أبو سامر تحاول مساعدة العجوز في قطع الطرق الموحلة، ” هالشتي وهالبرد رح يقتلنا ياريتنا ماطلعنا من بيتنا، حتى لو متنا تحت القذف ع القليلة ما شفنا هالبهدلة وكنا متنا بشرف ببيتنا ” تهمس أم سامر بهذه الكلمات لإم زوجها، والأولاد يغوصون ويعلقون في الوحل مع كل خطوة، محمد ذو الوجه الحزين، ترك حقائبه ومضى لمساعدة أولاد العائلة في التخلص من قيود الوحل، الطلقة التي اطلقت للسماء من بندقية حرس الحدود كانت ترسم وجهتها محلقة في الظلام، الكل انكب على صدره في الوحل محاولين اخفاء انفسهم بين الأعشاب، روخير الأخير في المجموعة يردف بالكردية ” آف جا حالا خودي ” بمعنى ” اش هالحال يا الله ” شعره الطويل توحل ودخل في فمه، ينظر إليه جاسم صاحب اللحية الطويلة والشعر القصير بنظرة غير لطيفة، يبدأ أطلاق النار بشكل عنيف وتضاء الأضواء الليلة لتستكشف الحدود، تنظر فاطمة إلى الساعة وتهمس لولدها ” الساعة تسعة، لاتخاف ماضل شي ونوشف أبوك”.

أربعة هضاب تتداخل لتشكل العائق الأخير لوصول أبو سعد وعائلته إلى حدود الأردن، اضطر لسلك الطرق الترابية ليبتعد عن الحواجز على الطريق المعبد وليتفادى خطر المواجهات المفاجئة، الأولاد يبكون على أبيهم سعد يريدون الطعام وأخوه غسان مشغول بدفع كرسي أمه المدولب بين كل تلك الأحراش والأحجار، أبو سعد الذي يعيش هذه التجربة للمرة الثانية يتقطع قلبه، خاض هذه المحنة قبل عقدين عندما خسرت زوجته قدميهاوهما يعبران حدود فلسطين إلى

سورية، كان عندها يبكي مشتتا بين أن يرفع أولاده أو يحمل زوجته الممدة على الأرض، عندها قطع على نفسه عهدا بحلق شواربه لأنه لم يمت في بيته بين كروم زيتونه، والآن يعود ليعيش نفس التجربة وهو يترك الحي والبيت الذي بناه بيديه في مخيم اليرموك، ” فين صرنا يا يابا، مشينا كتير ولسا ما وصلنا” تضرب هذه الكلمات أذن أبو سعد كالصاعقه خارجة من فم غسان، سعد جاءت تسميته ليكون على اسم بطل قصة غسان كنفاني ” سعد ” ابن ” أم سعد” وغسان سماه على اسم غسان الكاتب ، سمى ابن سعد الأول ب ” درويش ” والفتاة ب ” فلسطين” ، قذف أبو سعد بعكاله وكوفيته على الأرض، جلس عليها، صرخ ” خلينا نموت هون وبنعمل مخيم للموتى “، من بعيد لاحظوا ضوء سيارة قادمة، مع صوت أغنية ” سارية السواس”.
عقارب الساعة هرولت إلى العاشرة والنصف ومازالت مجموعة المهرب عيسى، غارقة في الوحل لا يستطيعون الخروج، بسبب حرس الحدود وأضوائهم، روخير في آخر المجموعة يسمع صلوات الجميع الذين يصلون لنفس الخالق، عيسى المهرب، هو الوحيد ، صامت يراقب من حوله، وفي لحظة صمت،  سمعت أصوات الطلقات؛ فركضوا جميعا من غير وجهة، وبعد لحظات ألتم شملهم وكانوا قد قطعوا الحدود، الجميع ابتسم ، صرخ علي” والأمامُ علي كنت بعرف انو رح اعبر بالسلامة” نظر إليه محمد نظرة حقيرة، مضى إليه متسائلا بصوت قوي” من وين أنت ولا “؟ ونشبت مشاجرة، عيسى المهرب عاد ادراجه إلى خلف الحدود، أبو سامر وعائلته مضوا في سبيلهم، وحدها فاطمة وولدها والشباب الأربعة بقوا على تلك التلة المطلة على الحدود من خلف معسكر الحرس الحدودي، علي يصرخ ويتهم جاسم ومحمد بالمندسين وهم الذين دمروا البلد، جاسم يردد “سنقيم دولة جديدية وسيعود عهد الإسلام”، محمد يصرخ بطغيان الأسد ويتهم علي بإنه شبيح، روخير طفح الكيل به وعلى قولة المتل ” يا بين البصلة وقشرتها ما ينوبك غير ريحتها” لذلك كان يريد اسكاتهم قبل أن ينتبه إليهم الدرك التركي، خطرت بباله فكرة، لذلك جمع كل طاقته وشجاعته وقال ” أنتو بدكم هيك طييب وأنا بدي كردستان” صمت الثلاثة ونسوا ما كان بهم قبل قليل واتجهوا ليتعاركوا مع روخير متهمينه بالأنفصالية والعمالة. لكن يا عمي عدو عدوك صديقي، المهم، تقطع فاطمة عراكهم بصرخة تنادي بها صغيرها المتجه إلى حافة التل, اسرع الأربعة لنجدته، عندما وصلوا إليه ، سمعوه وهو يقول ” شايفين ما أحلاها سورية، ليش تركناها، يا سورية لا تزعلي طالعين مشوار وراجعين”

سليمان حنيف: شاب كردي سوري – كوباني 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s