نزوح الحاج مسلم من الرقة

Autumn
 يكتب  سعيد قاسم

اسفنجتان وبعض الأغراض البسيطة كانت تلك، الأثاث الذي افترش به الحاج مسلم غرفة من غرف مدرسة قرية الكفّ الأسود (بانة شكفتي)،ومكث فيها، بعد أن دعاه أحد أصحاب السيارات التي تعمل في معبر سيمالكا الحدودي الواقع على نهر الدجلة ( الذي يربط سوريا بإقليم كردستان العراق)، أثناء لقائي به وهو ينتظر مع مئات العوائل الكردية الأخرى الهاربة من مدينة الرقة بعد التهديد الذي تلقوه من تنظيم داعش بوجوب مغادرتها في غضون ثلاثة أيام.
يعدّ الحاج مسلم محظوظا مقارنة مع العائلات التي تنتظر منذ أسابيع عدة على أبواب المعبر تحت رحمة الشمس، ريثما ينظر المسؤولون عن المعبر في أحوالهم. بدأ الحاج و زوجته زهرة يتناوبان على تجرّع رواية الرحلة القاسية التي عانوا منها، نتيجة نزوحهم مع عائلات اخرى من الأحياء الكردية في مدينة الرقة(الرميلة ، الدريعة ،الأندلس) ،وكذلك الامر في مدينة الطبقة ومرورا بكوباني و تل أبيض و أخيرا إلى معبر سيمالكا، اذ فضّل قسمٌ منهم الذهاب إلى تركيا فيما مكث الآخرون في تل أبيض ،ومدن اخرى كالقامشلي، والمالكية، أما القسم المتبقي فينتظر معجزة فتح المعبر للالتحاق بأبنائهم الذين يعملون في إقليم كردستان العراق..
عائلة واحدة فقط استطاعت الوصول الى الضفة الأخرى من المعبر، من اصل المئات من العوائل العالقة بانتظار الفرج. ويبرر الحاج مسلم هذا الامر بأن للعائلة ابنة حقوقية في مدينة اربيل امنت لهم طريقة للخروج.
يعود الحاج مسلم الذي طوى خمس وسبعون سنة، بذاكرته ليصف حياته في ظل تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن اعطيته سيجارة، فعلى الرغم من معاناته مع مشاكل صحية في القلب ، غير انه لم ينقطع عن التدخين إذ كان يدخن سرا في منزله، وأنه كان مضطرا للتردد إلى المسجد في حي الرميلة حيث يقع منزله الذي يسكنه منذ عام 1976.
الحاج مسلم أُجبر على مغادرة ريف تل أبيض بعد أن جلب النظام السوري آنذاك قبائل من البدو، واستوطنهم هناك بعد أن سلبهم اراضيهم الزراعية التي كانوا يمتلكوها. تقاطعه زوجته زهرة و تقول” أن الحياة في الرقة مشابهة لغيرها من المدن التي مرّوا بها من حيث الخدمات و أسعار المواد الغذائية، وإن التنظيم لم يتبع سياسة عنصرية بحق أكراد المدنية إلا بعد المعارك التي جرت في مدينة تل أبيض بينهم ،وبين وحدات حماية الشعب.
لم يكن الحاج مسلم يربّي لحية طويلة ويقول بأنه لم يترك عادته في استخدام شفرة الحلاقة بيد أنه كان يحرص على أن يتركها تطول قليلا قبل الخروج من المنزل أو ارتياد المسجد في يوم الجمعة للاستماع للخطبة الإجبارية و التي عادة كانت تدعو إلى الجهاد في سبيل الله.

يجيب الحاج عن تساؤلي حول كيفية تمييز رجال التنظيم، الكرد من العرب حين طلبوا منهم المغادرة، بالقول أن الكرد في الرقة معظمهم مسجل في قيود منطقة تل أبيض وريفها. على حد وصف الحاج، على الرغم ما جرى في الآونة الأخيرة، ظل الكرد و العرب في المدينة يحتفظون بالتماسك الاجتماعي المتين، بسبب أواصر القربى بينهم ، ما جعله يسلم منزله لعائلة عربية يثقون بها ، لحين عودتهم، مكررا ذلك في رغبته الجارفة بالعودة إلى الحي الذي نشأ فيه.

قرية الكف الأسود تبعد عدة كيلومترات عن معبر سيمالك، والكثير من القلق والحسرة عن منزله في الرقة، ،لكن الخوف من داعش لا يزال يسكن الحاج وعائلته، بدا ذلك على محياه حين طلبت إليه التقاط صورة شخصية له، فرفض خشية أن يقوم تنظيم الدولة بمصادرة منزله في الرقة، كيانه الذي تركه هناك، حيث الخوف والرعب.

اللوحة لعصام حمزة

http://www.esamhamzeh.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s