رحلة جمال من دمشق إلى المالكية

كتب جمال قرتل

Cyrus-bridge-northern-Syria
لم يكون يوما عاديا كباقي الأيام التي مضت.
المشهد الاول
استيقظ الناس على خبر انفجار اجتماع خلية الأزمة في دمشق. بدت الحركة غير طبيعية، الازدحام في كل مكان، كراجات الباصات، مكاتب الخطوط الجوية ، ناهيك عن البنوك ومحلات الأغذية.
في هذه العجلة عندما تلتقي بشخص ما قريب لك ، يقول “دعنا ننهي من امرنا ونتعجل في الرحيل فالوضع اشرف على التدهور ولن يتوقف ابدا، في المقابل تلتقي برجل أمن أو شبيح أو موالي يقول ” هولاء مجرد ارهابيون لاتخافوا، الجيش سوف يقضي عليهم”
في البيت، زوجتي والأولاد يشعرون بخوف كبير من صوت الرصاص والطيران وخاصة وعندما يتم قصف منطقة داريا ومزة البساتين، كونهما قريبين منا. ابن عمي زياد اتى من العمل قبل موعده المعتاد قال لي ” أمنت سيارة من شخص اعرفه، الرجل طيب لكي نسافر الى القرية سوف ياخذ
٢٥ألف ليرة . سألته : وهل الرجل يعرف الطريق جيدا ؟ يجيب زياد نعم اصله من مدينة قامشلي وهذه ليست اول مرة يأخذ الناس اليها .
. تنصحني زوجتي “بان الجو حر شديد، لا بد ان تفطر فطريقنا طويلا جدا، لا تستطيع التحمل، ارد عليهم سوف اتحمل، والله حرام أفطر، “تبدأ رحلتنا ، الطرقات مزدحمة ، اي طريق نسلكه يكون مغلقا، و هكذا وبعد حوالي ساعتين نجتاز العاصمة لكي ندخل الريف، عندما اجتزنا كراج العباسيين شاهدنا صهريجا للوقود مدمر بالكامل وعلى جانبي الطريق دمار كبير في الأبنية والمحلات.

المشهد الثاني
“أين أوراق السيارة؟”.سألنا أحد الضباط في احد الحواجز في صحراء تدمر ، كان من محافظة طرطوس، عندما عرف بأننا أكراد قال ؛لي” أنا ايضا لدي اولاد وخائف عليهم، ولكن كما ترى انا جالس تحت هذا الشمس ، بعض الناس تعتقد اننا مسرورون جدا بموت البشر وتهجيرهم من بيوتهم ، هذا الكلام ليس صحيحا، لان كلنا مسلمين، سواء أكنا من درعا أو طرطوس أو الحسكة .،لكن لا احد يصدقنا” .
لدى معرفته بأنني صائم قدم لي بعض الماء البارد، فموعد الإفطار لم يبق سوى نصف ساعة .مازلت أتذكر هذا الرجل في كل رمضان وخاصة عند العطش. عند الإفطار شربت الماء فقط، ونحن نتابع طريقنا، الظلام قد خيم علينا، والاولاد ناموا من شدة التعب. الساعة كانت التاسعة ،بينما كنت أفتح الكيس لكي أتناول بعض الطعام وإذ بزياد يقول لسائق ” انتبه هناك دراجة امامك، انتبه كي لا تدعسه ، في الحقيقة السائق المسكين كان في تلك اللحظة قد غفي ، فجأة ادار السيارة على اليمين وعلى اليسار، بينما شورش والأولاد بدأوا في الصراخ والبكاء .وقتها شعرت انه ليس هناك فرصة للنجاة ، اقول في نفسي بالتأكيد السيارة سوف تنقلب.
لم اكن خائف على نفسي بقدر خوفي على الاولاد وشورش، ولكن الحمد لله استطاع السائق ان يسيطر على الموقف ويوقف السيارة.
المشهد الثالث

لا يختلف الدمار كثيرا التي شاهدناها عن صور الزلازل والهزات الارضية، طبعا كان ذلك آثار قصف طيران النظام. قبل وصولنا إلى منطقة الضمير رأينا السيارات وهي ترجع قبل و صولها اليها، سألنا أحد السائقين فقال لنا أن الطريق مغلق بسبب الاشتباكات بين الجيش النظامي والجيش الحر. عندها انتابنا الخوف، لكن السائق قال لنا لا داعي للخوف” أنا اعرف طريق اخر ،لكن سوف ياخد الكثير من الوقت، وان اشاالله لا يوجد شي باستثناء بعض الحواجز “
كنت أنا وزوجتي شورش والأولاد جالسين في الخلف وزياد في المقعد الأمامي يستمع إلى السائق وهو يتحدث عن مغامراته، وان هذا الطريق لا يعرفه أحد غيره. بدا الطريق صحراويا واشعة الشمس تشتد رويدا رويدا. وأخيرا وصلنا إلى إحدى المدن لا أتذكر اسمها، نزلنا في أحد الاستراحات، عندما سألنا أحد السكان عن وجهتنا ضحك وقال” يا جماعة انتم اخطأتم بالطريق، لابد ان تعودو ا و تاخدوا طريق اخر”. بدا السائق صامتا لا يتكلم، لأنه كان يرى في أعيننا الغضب من كذبته بأنه خبير ويعرف الطريق جيدا. لم يكن امامنا سوى أن نتحمل ونصبر. ،ما زاد من الطين بلة، أن كل حاجز للجيش يفتح تحقيق كامل معنا، من اين جأتم ؟ واين ترحلون؟ ماذا تحملون معكم ؟واين ورقة المختار؟

المشهد الرابع

الساعة تشير الى العاشرة مساء ، الاولاد ما زالوا يبكون، تعطلت سيارتنا بعد ان ارتطمت بدراجة نارية
وقف امامنا سرفيس (باص صغير لنقل الركاب) كحالتنا من القامشلي مليء بالنساء والاولاد، عندما رأونا بهذه الحالة التعيسة، وخاصة مع استمرار بكاء الأولاد، طلبوا منا الركوب معهم، ،اما زياد والسائق فكان يجب عليهم المجيء مع الرافعة التي سحبت السيارة المعطلة . وهكذا وصلنا الى القامشلي حوالي الساعة ١٢ مساء.
اخدنا السائق معه لبيت اخوه لكي ننام ونخرج صباحا الى القرية. في يوم التاني وصلنا الى القامشلي، في بعض الناس نصحونا بان الوضع صعب،و لا يمكن الخروج حاليا بسبب وجود اشتباكات في الطريق. ولكن بعض الاخر الذين كانوا يأتون من طريق المالكية اكدوا لنا بانه لا يوجد شي كله إشاعات. وهكذا خرجنا من القامشلي، لم يكن في الطريق غير حواجز جماعة حزب الاتحاد الديمقراطي. وهكذا دواليك والقصة لم تننهي بعد.

جمال قرتل: خريج أدب أنكليزي من جامعة دمشق ومقيم حاليا في كردستان العراق

اللوحة لعصام حمزة 

http://www.esamhamzeh.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s