مات الفرح

Damascus-Roses

كتب سليمان  أوصمان

عندما توقفت نبضات قلبها البريء وأنفاسها العطرة ، كان جالساً بجانب رأسها ينوح كرضيع قد فطم.
كان يزورها مراراً وتكراراً، يخطو خطوات هادئة تجاه غرفتها، وما يلبث أن يتغير ويتبدل برؤيتها، ويبقى،على هذا الحال حتى  يشجع نفسه ويواسيها بأنها ستعيش وتتحدى المرض.
كل شيء في الغرفة صامت، السرير ، الممرضة ، الأجهزة … حتى الهواء ، لعل الكل قد تضامن والتحم معها من خلال هذا السكوت المجهول .
في أيام المرض الأولى كانت تأكل وتشرب وتتكلم وكأنها ليست هي الآن ، وتتجاذب أطراف الحديث معه عن أوضاع القرية البهية وأفراحها واتراحها ، فيقول لها : لقد اشتقت إليها كثيراً فترد : أأشتقت إلى حد أصبح كلامك يوحي بأنها أجمل من العاصمة .
هذا كان حالها ، بيد أنها مع الأيام أخذت تتدهور صحتها وتسوء يوماً بعد يوم حتى فقدت تعابير الكلام ونطقه ناهيك عن أناتها الدائمة التي يجزع لها القلب ، ويخشع لها جلالة الصمت تقديساً واحتراماً .
أما هو فلم يكن أمامه سوى أن يطلق عنانه في بحر من الأحلام ، يحلم بأنها ستشفى ويعودا معاً إلى القرية ويجتمعوا ثانية أمام بيتهم الترابي رجالاً ونساء في ليالي الصيف الجميلة تحت ضوء القمر يتجاذبون الحديث ويتسامرون إلى أن يرخى الليل سدوله فيهاجمهم بليل يرق الأفئدة بعد يوم طويل من العمل الشاق ، بليل ملئه هدوء وخشوع .
آه … لو أن هذه الأيام تعود ولو لحظات خاطفة إلى الوراء ، ولكن هيهات لقد حدث ما قدّره الله ،كان ذلك في تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر ، على سرير في مستشفى المواساة ،
قبل أن يسمع النبأ المزلزل الذي لم يكن يرغب سماعه ويرفضه كلما داهم مخيلته ، كان يعقد عزمه ويذهب إلى المستشفى يومياً . وفي الطريق يتحدث مع نفسه ، أ يمكن أن تموت لا …لا.. أنها لا تزال قوية وفي عمر الزهور.
على باب المستشفى كان يحدث نفسه كالمجنون … كان يخاطب نفسه ويمنيها بأن يكحل عيناه ضمن الدقائق المقبلة برؤيتها حتى ولو كانت المرة الأخيرة لكن دون أن يدري خطفها القدر كزهرة الأقحوان في صباحات الربيع الأولى تحت مرأى حراس الحياة ، لقد سرق الزمن حلمه في غفلة وسط زحمة من التكهنات والاسئلة المبعثرة ، هنا وهناك ، موزعة على شرفات المنازل من قريتها الوادعة في أحضان جزيرتنا إلى بيوت الجيران يسألون عنها عبر خط وذبذبات صوتية توصل الآذان والقلوب، من هناك إلى قلب العاصمة ، فرحاً حيناً وحزناً أحياناً كثيرة .
كان يختلف عن كل زوارها حتى عمن بقرب سريرها، يعايشها عن قرب، يعرف شجونها وأحلام طفولتها وحبها لحقول القمح والفرح، كان يرسم خطوات الخروج من المشفى ورحلة ألف كيلومتر والعيون التي تترقب بلهفة عودتها .
فجأة تبعثرت كل هذه الأماني ، رغم أنه دخل غرفتها بتفائل مفعم بأنها ستتخرج من هذه المرة من أروقة الموت ، لكن ذهبت الرياح على غير اتجاه أحلامه تمزق فؤاده ،وتفجر ألماً ودموعاً مالحة على الوجنتين عندما ضربت آذانه كلمة ” فارقت الحياة” في ذات اللحظة ، تحطم ، انهار لسماع الخبر، حاول أن لا يصدق أذنيه ، وأن الكلام لأشخاص آخرين، عندما شاهد شلالات الدموع تتدفق من عيون
من حولها لم يكن من مفر ، فصدق المشهد وقال مرغماً : لقد فارقت الحياة وكم كان يتمنى ألا يردد هذه العبارة لكنها خرجت من شفاه دون أن يشعر ما يطلقه اللسان من بحر الأحزان المتلاطم .


 اللوحة: لعصام حمزة/www.esamhamzeh.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s