عبق الياسمين١

كتبت خلود حدق

Syrian-Jasmine
Syrian-Jasmine

1-
كان يوماً صيفياً غائماً ، تطبق عليه سحابة من حزن ، يعتصر قلوب الناس ، حين ضجت شوارع و أروقة تلك المدينة بالمأساة ، عندما أعلن الطاغية حربه ضد إنسانيتهم فإما أن يستمر باستعبادهم و إما يرسلوا صرخات الموت على جنبات الأرض ثمناً لمناشدة حريتهم .
-2-
كم كان الليل طويلاً في تلك الليلة ، غاب قمره ليسود الظلام كحاكم ظالم جائر يقمع أي نور يكسر هيبة عتمته المتقعة .
لم يزرها النوم يومها ، فأي نوم سيزور تلك الأجفان المحترقة بلهيب دموع كدموع اليتم .
ما إن كفكفت آخر الدمعات المترقرقة على جنبات خديها المكفهرين و دعت الإله أن يَـمُنَّ عليها بسِنةٍ تطفئ قلبها المدمى بقسط من الخلود ، دُقَّ جرس الباب .. كجناحي طائر حزين خفق قلبها … استحضرت الله في سرها و همست : اللهم إجعله خيراً .
-3-
ربت على كتفها … أمسك يدها …قبلها بحرقة ….نظر إلى عينيها و دعهما بحرارة و نهض
– من في الباب ؟
– أنا… أبو محمود …جاركم ( بصوت مرتجف ممزوج بالخوف )
– أهلا جارنا .. لعله خير ؟
– هل الطبيبة موجودة ؟؟
– نعم …خير ؟؟
– أرجوك .. هلا تفضلت معي …ابني محمود و بعض أبناء الحي جرحى في حالة خطيرة .
و مالبث أن ربت على كتف أبو محمود مواسياً إلى أن وجدها تربت على كتفه مطمئنة
راسمة على شفتيها تلك الإبتسامة التي لطالمها عشقها إلا أنها كانت ملونة بلون الأسى .
كان يعرف أن مزيجاً من الإنسانية و التضحية و الإيثار يعتلى روحها العطرة كعبق الياسمين الدمشقي ، فهل تبخل الياسمينة بعطرها و نصاعة بياضها على من تغلغل في نفسه رائحة الموت تلونت ثنايا فكره حمرة قانية .
-4-
توقف الزمن عند ماضيهم ….عند ضحكاتهم التي كانت تملأ الحي …عند رجولتهم الصغيرة التي كانت تدفعهم لمساعدتها في حمل أغراضها .
لم تسعفها شجاعتها على تقبل حاضرهم حيث استبدل ضحكاتهم صراخاً و بكاءً و كبرت رجولتهم و اشتد عود حناجرهم و اينعت دمائهم و حان وقت قطافها و تقديمها قرباناً للطاغية .
جراحهم أبلغ مما كانت تتصور … جراح تذيب الأفئدة …و ترهب النفوس .
يداها المرتجفتان ألماً قويتا على إسعاف جراح أجسادهم المنكلة لكن لن تقدر على جراح أرواحهم المنهكة .
-5-
لم يعد للحديث بقية عندها ، فالموعد انتهى و القرار بات كرقعة شطرنج ، كل سيختار لون مكانه ، فالعبة لا تقبل الرمادية ، إما الأبيض أو الأسود .
نقاء نفسها كنقاء الثلج ، أبى أن يلطخ بالسواد و عبق الياسمين أبى أن يتحول إلى دخان أسود في نفسها و بارود و رصاص يعيث في أرضها فساداً لتتحول من أرض الياسمين إلى أرض من جحيم .
-6-
شهور خلت و هي في مكانها ، تلتزم الصفاء و النقاء ، جندية مجهولة تدافع عن إنسانيتها …تبحث عنها … لتستردها …تبحث عنها بين جثث الشهداء و بين دماء الجرحى و بين دموع الثكالى و بؤس اليتامى .
لكنها لم تعلم أن هناك من يتربص بها ……هناك من يستميت لمصادرة عبق الياسمين من شجيرات الياسمين لينثر بدلاً عنه رائحة الموت …و الموت فقط في كل مكان.

http://www.esamhamzeh.com  /اللوحة: لعصام حمزة ، ،وهي رسامة سورية مقيمة في لندن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s